ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

225

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

--> - ومن سواهم ؛ إمّا : « مغلوب الروحانية ، مستهلك الطبيعة » . وإما : « مغلوب الطبيعة المستهلك قواه الروحانية في عرصة طبيعته » ؛ كما هو حال جمهور الناس . و « الكمّل المقرّبون في حاق الوسط » ؛ برازخ بين الطبائع والأرواح ؛ بل بين المرتبة الإلهية والكونية ، فافهم . وأما الباقيان من النشآت : فأحدهما : « النشأة الحشرية » . وثانيهما : « النشأة الاستقرارية في إحدى الدارين » وقد سبق التنبيه عليهما ، واللّه الميسر . جاء وارد بكتابه في جملته أمر مضمونه : اعمل لي ، قلت : اعمل له تصديقا بوعده ، ووعيده ، وترجّيا لفضله المرغب فيه ، قالت نفسي : هذا لا يصلح لمقامي ، قلت : اعمل له بموجب أمره امتثالا وانقيادا ، قالت : هذا أيضا لا يصلح ؛ لأني حالتئذ أكون عبدا لأمره لا عبده ، قلت : اعمل له لا نظرا إلى الأمر ؛ بل نظرا إليه من كونه آمرا ، قالت : إن الوارد يأبى هذا أيضا ؛ فإني أكون عبدا له من كونه آمرا ؛ لا عبدا حقيقة ، قلت : اعمل له ؛ شكرا على ما أنعم به علىّ ، قالت : مقامي يأباه ، قلت : اعمل له ؛ ابتغاء وجهه الكريم ، قالت : وفوقك مع حظك منه ، وابتغاء عملك على علة أمر ينافيه كمال المقام ، قلت : فاعمل به سبحانه له ، قالت : نعم الآلة ، وبئس المستعمل ، قلت : اعمل ولا اقصد بعملي أمرا ما ، ولا استحضر حال مباشرتي العمل والشروع فيه نية متعلقة بمطلب معيّن يكون سببا لانبعاثي نحو العمل ، قالت : لا ؛ هذا شبيه العبث ، قلت : فكيف العمل ؟ قال الوارد برسالة النفس : اجتهد ألا تجعل لهمتك وهمك متعلّقا غير الحق ؛ لكن تعلّقا جمليا كليّا غير محصور فيما علمت منه أو سمعت عنه ، بل على نحو ما يعلم نفسه في أكمل مراتب علمه بنفسه وأعلاها ، ثم ترى أنه العامل بك لا أنت . هذا بعد أن يستصلجك فيكسبك وصفه الإطلاقي كما أخبر إمام الكمّل صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « إنّ اللّه قال على لسان نبيّه » . وفي رواية : « على لسان عبده سمع اللّه لمن حمده » . وإكساب ذلك الوصف هو أن يصدق في حقك حكم التمحّض المنبّه عليه بقوله : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [ الفتح : 10 ] و : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] وحكم التشكيك المنبه عليه بقوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] . فمتى صحّ لك ذلك وراثة محمدية كان قولنا : يعمل بك وأنت وغيرهما من الضمائر إشارة إلى -